Translate

الأحد، 9 أغسطس 2026

الثورة البشمورية

 من مخطوطة تاريخ البطاركه لساويىس بن المقفع 

إعداد وتقديم عبد العزيز جمال الدين

ثورة البشموريين ضد الدوله العباسية 

الثورة البشمورية

ثورة البشموريين


البابا يوساب الأول والثورة البشمورية

========================

مصر في عهد المأمون بن هارون الرشيد

عندما وصلنا في تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية إلى البابا يوساب الأول، البطريرك الثاني والخمسين، نكون قد بلغنا واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر خلال العصر العباسي.

كان يوساب معاصرًا للخلفاء:

المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل. 


لكن بداية عهده ارتبطت بحدث بالغ الأهمية في تاريخ مصر: الثورة البشمورية.

من هم البشموريون؟

كان إقليم بشمور يقع في شمال الدلتا، في منطقة كثيرة المياه والمستنقعات والترع والقصب، وهو ما جعل الوصول إليه والسيطرة العسكرية عليه أمرًا بالغ الصعوبة.

وكان سكان المنطقة في معظمهم من الأقباط، وقد ارتبطت مقاومتهم بعوامل اقتصادية وإدارية ودينية متداخلة.


كيف بدأت الثورة؟

===========

في سنة 216هـ / 831م خرج أهل الوجه البحري في تمرد واسع ضد والي مصر عيسى بن منصور.

كان السبب المباشر هو تصاعد الخراج والضرائب والأعباء المالية.

فرفض الثائرون الخضوع لجباة الضرائب، وعزلوا بعض موظفي الدولة، واتسعت دائرة العصيان حتى أصبحت القوات الموجودة في مصر عاجزة عن حسم الموقف.

ولم يكن الأمر مجرد احتجاج محدود؛ فقد أصبحت منطقة بشمور، بطبيعتها الجغرافية الصعبة، مركزًا للمقاومة المسلحة.

فالمستنقعات والمياه والقصب كانت تمنح السكان معرفة بالأرض لا يمتلكها الجيش القادم من خارج المنطقة، ولذلك استطاع البشموريون مقاومة الحملات التي أرسلت

 ضدهم


لماذا تدخل المأمون بنفسه؟


كان الخليفة المأمون بن هارون الرشيد يحكم الدولة العباسية في ذلك الوقت.

ومع فشل الوالي والقوات المحلية في القضاء على الثورة، أصبح الأمر أكثر خطورة بالنسبة إلى السلطة العباسية.

فمصر كانت من أهم أقاليم الدولة من الناحية الاقتصادية، وأي تمرد طويل فيها كان يمثل تهديدًا حقيقيًا للسلطة والخراج والاستقرار.

لذلك لم يعد الأمر مجرد مشكلة محلية يستطيع الوالي حلها، وإنما تطلب تدخل الخليفة نفسه.

مما دفع 

المأمون إلى القدوم إلى مصر بنفسه، والاستعانة بقائده الأفشين في القضاء على البشموريين. 

وهنا يدخل البابا يوساب في الأحداث

وهذه من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في سيرة البابا يوساب.

فالمأمون لم يتعامل مع البطريرك باعتباره مجرد رجل دين بعيد عن السياسة، وإنما أدرك أن البابا يمتلك تأثيرًا على المصريين المسيحيين.

وتذكر الروايات المتعلقة بتاريخ البطاركة أن المأمون استدعى البابا يوساب الأول، وطلب منه أن يساعد في إيقاف الثورة.

كما ارتبطت هذه الوساطة بالبطريرك ديونيسيوس بطريرك أنطاكية، حيث طلب المأمون منهما التوجه إلى البشموريين ومحاولة إقناعهم بإنهاء المقاومة. 


وهنا تظهر طبيعة العلاقة بين السلطة العباسية والكنيسة في ذلك العصر بصورة واضحة:

الخليفة كان قادرًا على استخدام المكانة الروحية للبطريرك كوسيلة للتفاوض مع المجتمع القبطي.

أي أن البابا لم يكن مجرد شخصية دينية، بل كان يمثل وسيطًا يمكن للسلطة أن تلجأ إليه عندما تعجز الوسائل العسكرية وحدها عن حل المشكلة.

رسالة البابا إلى البشموريين

ذهب يوساب في محاولة لإقناع البشموريين بالطاعة ووقف القتال.

وتذكر الروايات أنه كتب إليهم أكثر من مرة، وحثهم على الكف عن المقاومة وحقن الدماء.

لكن البشموريين لم يستجيبوا.

بل إن بعض الأساقفة الذين حملوا رسائل البابا إليهم تعرضوا للإهانة والضرب، فعادوا وأخبروا البابا بما حدث. 


وهنا أصبحت مهمة يوساب شديدة الصعوبة.

فهو من ناحية بطريرك الأقباط والمسؤول الروحي عنهم، ومن ناحية أخرى أصبح أمام سلطة عباسية قوية تريد إنهاء التمرد بأي وسيلة.

وبالتالي وجد نفسه في موقف بالغ التعقيد:

هل يقف مع البشموريين باعتبارهم من أبناء كنيسته؟ أم يدعوهم إلى الاستسلام حقنًا للدماء وحفاظًا على بقية الشعب والكنائس؟

فشل الوساطة

لم تنجح الوساطة.

وعندما وصلت أخبار رفض البشموريين إلى المأمون، انتقل الأمر إلى المرحلة العسكرية.

أُرسل الأفشين بجيشه لمحاصرة البشموريين، لكن الطبيعة الجغرافية للمنطقة جعلت المهمة صعبة للغاية.

فقد كان البشموريون يعرفون الممرات المائية والمستنقعات، واستطاعوا إلحاق خسائر بالقوات المهاجمة.

وتذكر الدراسة التاريخية أن قوات الوالي لم تستطع حسم الثورة، كما واجه الأفشين مقاومة شديدة قبل أن يتمكن من إخضاع المنطقة. 


المأمون أمام بشمور

عندما فشلت المحاولات الأولى، تدخل المأمون بصورة مباشرة.

وهنا تحولت الثورة من أزمة محلية إلى حملة عسكرية كبيرة.

وتذكر الروايات التاريخية أن القوات العباسية استعانت بأشخاص من المناطق المحيطة يعرفون طرق بشمور، وهو أمر كان مهمًا جدًا بسبب طبيعة المنطقة.

وفي النهاية تمكن الجيش من الوصول إلى مواقع البشموريين وإخضاعهم.

وتذكر المصادر أن نهاية الثورة كانت شديدة القسوة: قُتل عدد من الرجال، وأُسر آخرون، وسُبيت نساء وأطفال، وأُحرقت مساكن وهُدمت كنائس في المنطقة. وتذكر بعض الروايات أعدادًا مختلفة للأسرى والمهجرين، 

 

لماذا تعد الثورة البشمورية نقطة فاصلة؟

لأنها لم تكن مجرد ثورة محلية انتهت بانتصار الجيش العباسي.

إنها كانت آخر ثورة كبرى للبشموريين، ومن أكبر حركات المقاومة في مصر خلال العصر العباسي المبكر.

وتشير الدراسات إلى أنها كانت آخر ثورة واسعة بهذا الشكل في تاريخ مصر الإسلامية ضد الخلافة العباسية.  

وبعد القضاء عليها تغير وضع المجتمع القبطي في مصر بصورة تدريجية.

فالسلطة العباسية أثبتت أنها لن تسمح بقيام مركز مقاومة مستقل في الدلتا، وفي الوقت نفسه أصبحت الكنيسة أمام واقع سياسي جديد: الحفاظ على وجودها ومؤسساتها أصبح يتطلب التعامل المستمر مع السلطة الحاكمة.

ماذا حدث للبشموريين بعد الثورة؟

======================

أسفرت هزيمة الثورة عن إنهاء الوجود الديموغرافي المستقل لأهل البشمور:

 القتل الجماعي: قتل جيش العباسيين أعداداً هائلة من المقاتلين والمدنيين وهدموا كنائسهم ومساكنهم وأحرقوها.


 النفي والتهجير: سبى المأمون نحو 3 آلاف من المتبقين وأرسلهم في سفن إلى بغداد، مات معظمهم في الطريق بسبب الظروف القاسية.

 البيع في أسواق العبيد: أُسر نحو 500 من الثوار وسيقوا إلى دمشق حيث تم بيعهم هناك كعبيد.

 نهاية الثورات: كانت هذه الملحمة آخر الثورات المصرية الكبرى في العصر الإسلامي، وتلاشت بعدها تماماً مقاومة أهالي الدلتا.

 أين تقع "بشمور" الحالية؟

================

المكان التاريخي (إقليم البشمور)

المكان الحالي (قرية البشمور)

  قرية ريفية صغيرة تابعة لمركز دكرنس محافظة الدقهليه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق