Translate

الجمعة، 21 أغسطس 2026

بردية اليأس من الحياة

 

بردية الياس من الحياة

.

بردية اليأس من الحياة

ماهر الكرارسي


قبل آلاف السنين، في مصر القديمة، كان الإنسان يكتب عن أسئلة لم تفقد قدرتها على ملاحقته حتى اليوم: ما معنى الحياة حين يصبح الإنسان غريبًا فيها؟ ماذا يفعل عندما يفقد الصديق ويغيب العدل؟ وهل يكون الموت نهاية الألم أم بداية راحة لا يعرفها الأحياء؟


من بين أقدم النصوص المصرية التي اقتربت من هذه الأسئلة بعمق فلسفي ونفسي لافت، تأتي «بردية اليأس من الحياة»، المعروفة في الدراسات المصرية باسم «حوار رجل مع روحه» أو «حوار رجل مع الـBa».


والنص محفوظ في بردية برلين رقم 3024، وهي من أهم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا من عصر الدولة الوسطى. ويرتبط النص بأدب الأسرة الثانية عشرة، وهي الفترة التي شهدت ازدهارًا كبيرًا للأدب المصري. وتربط بعض المصادر النص بعصر الملك سنوسرت الثاني، بينما تشير الدراسات الحديثة إلى أن تأريخ العمل أكثر تعقيدًا؛ فالنسخة التي وصلت إلينا تبدو نسخة من عمل أقدم، ويرجح بعض الباحثين أن أصل النص يعود إلى مرحلة مبكرة من الأسرة الثانية عشرة.


والبردية نفسها ليست كاملة؛ فقد تعرضت أجزاء منها للفقد والتلف، كما عُثر في السنوات الأخيرة على شظايا إضافية ساعدت الباحثين في إعادة بناء أجزاء من بدايتها المفقودة. وقد أصبحت هذه الشظايا جزءًا من الدراسات الحديثة الخاصة بالنص.


رجل يائس وروح تحاول منعه


يقوم النص على حوار بين رجل أنهكته الحياة وبين الـ«Ba» الخاصة به، وهي أحد مكونات الشخص في التصور المصري القديم، ولا يصح اختزالها بصورة كاملة في مفهوم «الروح» الحديث، وإن كانت كلمة الروح هي الأقرب في الترجمات العربية لتقريب معناها إلى القارئ.


الرجل يرى أن الحياة أصبحت مثقلة بالشرور، وأن المجتمع فقد كثيرًا من القيم التي تجعل الحياة محتملة، بينما تدخل روحه في حوار معه حول الموت والمصير وما ينتظر الإنسان في العالم الآخر.


ومن هنا لا يصبح الصراع بين شخصين، وإنما بين الإنسان ونفسه.


وهو ما يمنح النص طابعًا نفسيًا فريدًا؛ فالرجل يريد الخلاص، بينما تحاول روحه أن تدفعه إلى النظر في معنى الحياة والموت.


ولا تقدم البردية إجابة فلسفية مباشرة، بل تترك القارئ داخل هذا الصراع.


ثم يبدأ الرجل في التعبير عن رؤيته للحياة والموت من خلال أربعة أناشيد أو قصائد، أصبحت من أشهر أجزاء النص.


القصيدة الأولى


يقول اليائس في القصيدة الأولى:


«يا روحي أنت غير عاقلة لكي تخففي من بؤس الحياة انك تحاولين أن تبعديني عن الموت قبل أن اذهب إليه.»


في هذه الكلمات يظهر جوهر الصراع.


فالرجل لم يعد يرى الموت بوصفه شيئًا مرعبًا، بل يراه مخرجًا من حياة أصبحت بالنسبة إليه مصدرًا دائمًا للبؤس.


أما روحه فتقف في الجهة المقابلة، وكأنها تحاول أن تمنعه من الوصول إلى النهاية التي يريدها.


وهكذا يبدأ الحوار من السؤال الأكبر: هل يستحق الإنسان أن يتمسك بالحياة مهما أصبحت قاسية؟


القصيدة الثانية :

حين يختفي الصديق

لا يكتفي الرجل بالحديث عن ألمه الشخصي، وإنما يوجه نظره إلى المجتمع من حوله.

إنه يرى أن الشر لم يعد حادثًا استثنائيًا، وإنما أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأن الإنسان لم يعد يجد في الآخرين ما يبحث عنه من صدق ومودة وعدالة.


فيقول :


«لمن أتحدث اليوم والقلوب أصبحت جشعة وكل واحد ينزع الخير من قريبه. لمن أتحدث اليوم وقد أصبح الإنسان غاضبًا بسبب الإعمال السيئة. وألان يستهزئ كل إنسان عندما تكون جريمته بشعة لمن أتحدث اليوم ولم يعد هناك عدالة علي الإطلاق وأصبحت البلاد عرضة لمثيري الشغب والقلق لمن أتحدث اليوم وأنا مثقل بالبؤس وآنا في حاجه إلي صديق لمن أتحدث اليوم وقد أصاب السوء البلاد ولم يعد هناك نهاية لهذا السوء علي الإطلاق.»


واللافت هنا هو التكرار المستمر لعبارة:


«لمن أتحدث اليوم؟»


إنها ليست مجرد جملة متكررة، بل هي تعبير عن الوحدة.


فالمشكلة ليست أن الرجل لا يجد من يسمعه فقط، وإنما أنه فقد الثقة في وجود إنسان يستطيع أن يفهمه ويحمل عنه شيئًا من ألمه.


الصديق غائب، والقريب لا يمد يده إلى قريبه، والعدالة غائبة، والشر منتشر.


ومن هنا يتحول اليأس من حالة شخصية إلى رؤية شاملة للعالم.


القصيدة الثالثة :

الموت في صورة الحياة الجميلة

ثم يصل الرجل إلى أكثر مقاطع البردية شهرة.

فبدلًا من أن يصور الموت بصورة الظلام والخوف، يقوم بعكس الصورة تمامًا.

الموت عنده يصبح شفاءً، ونسيمًا، ورائحة طيبة، وظلًا، وعودة إلى الوطن.


فيقول:


«أن الموت في ناظري اليوم كمثل الشفاء لرجل مريض، مثل الخروج إلي الهواء الطلق بعد سجن طويل، أن الموت أمام ناظري اليوم مثل عبير المر، مثل الجلوس تحت ظل شراع في يوم عليل الهواء، مثل رائحة زهور السوسن، ومثل الجلوس علي شاطئ الانشراح، أن الموت في ناظري اليوم مثل السماء عندما تصفو مثل حصول الإنسان علي شيء لم يكن يتوقعه مثل اشتياق الرجل لرؤية بيته بعد أن قضي سنوات طويلة في الأسر.»


هنا تبلغ الصياغة الشعرية ذروتها.


فالرجل لا يقول ببساطة: «أريد الموت»، وإنما يجعل القارئ يرى الموت كما يراه هو.


الموت يصبح بالنسبة إليه شفاءً بعد المرض، وحرية بعد السجن، وظلًا بعد الحر، وعودة بعد الغياب.


وهذه الصور تكشف مقدار التحول الذي حدث داخل الرجل؛ فالأشياء التي يخاف منها الإنسان عادة أصبحت عنده مصدر طمأنينة.


ولهذا يعد هذا المقطع من أكثر المقاطع دلالة على العمق النفسي للنص.


القصيدة الرابعة : ما وراء الموت


لكن الرجل لا ينظر إلى الموت على أنه اختفاء كامل.


فوراء الموت، في تصوره، عالم آخر تسوده حقيقة مختلفة، عالم يعرف فيه الإنسان الأسرار وتعود فيه العدالة.


فيقول:


«وها هو الحق .. الحق من وصل للعالم الأخر سيكون معبودًا يحيا بة فيرد الشر علي من أتاه .. وها هو الحق من وصل هناك سيكون عالمًا بالإسرار وكل بواطن الأمور.»


وهنا تتضح نقطة مهمة في بناء النص.


فالرجل لا يرفض الحياة لمجرد أنه يكره الوجود، وإنما يرى أن العالم الذي يعيش فيه قد فقد العدالة، ولذلك يتطلع إلى عالم آخر يؤمن بأن العدالة موجودة فيه.


الموت بالنسبة إليه ليس مجرد نهاية، بل انتقال إلى عالم يستطيع فيه الإنسان أن يعرف ما خفي عنه في الحياة.


بين اليأس والإيمان


وهكذا تكشف القصائد الأربع عن تطور واضح في أفكار الرجل.


في البداية يتحدث عن ألمه الشخصي.


ثم ينتقل إلى فساد المجتمع وغياب الصديق والعدالة.


ثم يصور الموت باعتباره راحة وخلاصًا.


وأخيرًا يكشف عن إيمانه بعالم آخر تسود فيه الحقيقة والعدل.


ومن هنا يصبح النص أكبر من مجرد حكاية رجل يريد الموت.


إنه نص عن الصراع الداخلي للإنسان عندما يصبح الواقع غير محتمل.


فالـ«Ba» ليست مجرد شخصية أدبية تقف أمام الرجل، وإنما تمثل جزءًا من كيانه، ولذلك فإن الحوار بينهما يمكن قراءته بوصفه حوارًا داخليًا بين نزعتين متصارعتين في الإنسان: الرغبة في الاستمرار، والرغبة في الخلاص.


وقد اختلف الباحثون بالفعل في تفسير النص؛ فهناك من قرأه بوصفه حوارًا حول الموت والانتحار، بينما رأى باحثون آخرون أنه تصوير نفسي أكثر تعقيدًا لرجل فقد القدرة على التصالح مع قسوة الحياة.


براعة الكاتب المصري القديم


ومن هذه البردية يتضح مدى التطور الذي وصل إليه الأدب المصري القديم في بناء النص والحوار.


فالكاتب لم يقدم أفكاره بصورة مباشرة، وإنما صنع إطارًا حواريًا تتحرك داخله الشخصيات والأفكار.


وضع الرجل في مواجهة روحه، وجعل كل طرف يقدم حججه، ثم انتقل من الحوار إلى الأناشيد، ومن الأناشيد إلى الصور الشعرية، حتى أصبح الصراع النفسي نفسه هو الحدث الرئيسي.


وهنا يظهر التكثيف الشديد بوصفه أحد أبرز ملامح السرد في الأدب المصري القديم.


ففي مساحة محدودة استطاع الكاتب أن يجمع:


الحوار، والصراع النفسي، والوصف، والتشبيه، والتكرار، والحكمة، والرؤية الاجتماعية، والتأمل في الموت والعالم الآخر.


وهذا ما منح النص وحدة فنية وبنائية واضحة، وجعل القصائد الأربع ليست أجزاء منفصلة، وإنما مراحل متتابعة في تطور الحالة النفسية للرجل.


وقد عالج باحثون متخصصون النص باعتباره من أبرز أعمال الأدب المصري في الدولة الوسطى، وترجمه عدد كبير من علماء المصريات، من بينهم فاولكنر وليشتهايم وباركنسون وسيمبسون وغيرهم.


رجل عاش قبل آلاف السنين


وربما تكمن عظمة هذه البردية في أن الرجل الذي يتحدث فيها عاش قبل آلاف السنين، ومع ذلك فإن صوته لا يبدو بعيدًا عنا.


حين يقول:


«لمن أتحدث اليوم؟»


فإن السؤال لا يبدو مصريًا قديمًا بقدر ما يبدو إنسانيًا.


وحين يتحدث عن غياب الصديق، وعن فساد الناس، وعن ضياع العدل، وعن رغبته في الهروب من عالم لم يعد يحتمل، فإن القارئ المعاصر يستطيع أن يجد شيئًا من نفسه في كلماته.


لقد كتب المصري القديم عن الموت، لكنه في الحقيقة كان يكتب عن الحياة.


كتب عن النهاية لأنه كان يبحث عن معنى للاستمرار.


وكتب عن العالم الآخر لأنه لم يجد في العالم الذي يعيش فيه الإجابة التي يبحث عنها.


وهكذا بقيت هذه البردية، بعد آلاف السنين، واحدة من أكثر النصوص المصرية القديمة قدرة على الوصول إلى الإنسان الحديث.


فالرجل الذي وقف أمام روحه في مصر القديمة لم يكن يسأل فقط:


هل أموت؟

بل كان يسأل السؤال الأصعب:

كيف أواصل الحياة عندما أفقد الإيمان بما حولي؟

وربما لهذا السبب لم تمت كلماته.

لأن الإنسان، رغم تغير الأزمنة والملوك والمدن والحضارات، ظل في النهاية هو الإنسان نفسه؛ يبحث عن صديق، وعن عدالة، وعن معنى، وعن سبب واحد يجعله يتمسك بالحياة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق