في شمال الدلتا، حيث تتشابك المياه بالقصب، وتختفي الجزر بين الضباب والمستنقعات، عاش أهل البشمور قرونًا وهم يعرفون أن الأرض التي تمنحهم الحياة يمكن أن تصبح حصنهم الأخير.
لكن حين اشتدت قبضة السلطة، وتراكمت الضرائب، وتحولت مطالب الخراج إلى سيوف تطارد القرى، بدأ الغضب يتوارثه جيل عن جيل.
كان مينا واحدًا من الذين حملوا السلاح دفاعًا عن أرضهم، ثم رحل.
ورحلت بعده مارينا وعمران وتادرس، ومضت سنوات طويلة تبدلت فيها الوجوه والولاة والعهود، لكن الحكاية لم تمت.
فالأب حكى لابنه، والجد لحفيده، حتى نشأ جيل جديد لم يرَ مينا بعينيه، لكنه ورث ذاكرته وغضبه.
ثم جاء زمن الخليفة المأمون.
لم تعد البشمور تواجه جابيًا أو واليًا.
هذه المرة، جاءت الخلافة بثقلها كله.
جيش منظم، وقائد عسكري بارع هو الأفشين، وخطط تهدف إلى تجفيف المياه وخنق الجزر وقطع طرق الإمداد. وفي الجهة الأخرى، وقف بولس ويوحنا ورفاقهما، يعرفون أن قوتهم الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في أرض لا يعرف أسرارها إلا أبناؤها.
وبينهما وقف البابا يوساب الأول، ممزقًا بين واجبه في حقن الدماء وخوفه على مصير شعب يعرف أن المواجهة القادمة قد لا تترك وراءها شيئًا.
ومع وصول المأمون بنفسه إلى أرض البشمور، يصبح السؤال أكبر من الخراج والتمرد:
هل تستطيع قرى صغيرة، محاصرة بالماء والطين، أن تقاوم دولة تمتد جيوشها من بغداد إلى مصر؟
وهل يمكن للإنسان أن يخسر أرضه، وبيته، وحريته، ثم يظل قادرًا على إنقاذ ذاكرته؟
«حينما غضب النيل» رواية تاريخية تستلهم وقائع مصر في العصرين الأموي والعباسي، وتعيد تخيل واحدة من أكثر صفحات تاريخ الدلتا قسوة وغموضًا؛ حيث تتقاطع السلطة والمقاومة والإيمان والخوف، وحيث يصبح النيل شاهدًا على أناس قاوموا حتى اللحظة الأخيرة.
هذه ليست حكاية معركة فحسب...
إنها حكاية أرضٍ حاولوا إخضاعها، وأناسٍ رفضوا أن يُمحى أثرهم منها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق