بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على حرب فيتنام، لا تزال صورة الطفلة الفيتنامية كيم فوك محفورة في ذاكرة التاريخ كواحدة من أبشع الصور في القرن العشرين؛ طفلة في التاسعة من عمرها تهرول عارية وتصرخ من الألم، بعد أن التهم النابالم جسدها وقريتها.
الصورة، التي نُسبت لعقود إلى مصور وكالة الأسوشيتد برس نيك أوت، أصبحت واحدة من أشهر الصور التي جسدت فظاعة حرب فيتنام، ونال أوت عنها جائزة بوليتزر عام 1973. وقد ساهمت الصورة في نقل مأساة الحرب إلى ملايين الناس، وأصبحت رمزًا بصريًا لمعاناة المدنيين.
لكن خلف الصورة كانت هناك طفلة لم تكن تعرف أن العالم كله سيعرفها لاحقًا.
نجت كيم فوك من الحريق، وعاشت سنوات طويلة مع آثار جسدية ونفسية بالغة. ثم، في عام 1996، التقت في الولايات المتحدة بجون بلامر، أحد قدامى المحاربين الأمريكيين الذي ارتبط اسمه لاحقًا بقصة الغارة. اقترب منها باكيًا وطلب منها الصفح، فسامحته.
وفي عام 1997، أصبحت كيم فوك سفيرة للنوايا الحسنة لليونسكو، وكرست جانبًا من حياتها للدعوة إلى السلام ومساعدة الأطفال المتضررين من الحروب.
ومن أشهر ما ارتبط برسالتها قولها إن التسامح أقوى من أي سلاح في العالم.
لا أملك إلا أن أُعجب بهذا النوع من التسامح.
أن يسامح إنسان من تسبب في ألمه، بعد كل ما عاشه، ليس أمرًا سهلًا. وربما كان التسامح بالنسبة إلى كيم فوك طريقًا للخلاص من أسر الماضي، واستعادة شيء من حياتها التي سرقتها الحرب.
لكن هناك سؤالًا آخر لا أستطيع تجاهله.
كانت كيم فوك محظوظة بشيء واحد على الأقل؛ فقد التقطت الكاميرا لحظة ألمها، فرآها العالم.
لكن كم من الأطفال التهمتهم نيران النابالم ولم تلتقطهم عدسة؟
كم من الأمهات فقدن أبناءهن ولم تتحول مأساتهن إلى صورة تتناقلها الصحف؟
وكم من الضحايا ماتوا في حروب العالم، ثم ماتت قصصهم معهم؟
هنا يصبح التسامح أكثر تعقيدًا.
كيم فوك تسامحت مع ما حدث لها شخصيًا، وهذا حقها الكامل. لكن ماذا عن بقية ضحايا الحرب؟ وماذا عن الذين لم يبق منهم أحد حتى يسامح؟
بل ماذا عن ضحايا الحروب والتدخلات العسكرية التي جاءت بعد ذلك في أماكن مختلفة من العالم، وعن آلاف المنكوبين الذين ابتلعتهم الأحداث ثم طواهم النسيان؟
كيم فوك استطاعت أن تقول: «أنا أسامح».
لكن هل يستطيع الضحية أن يسامح نيابة عن ميت؟
هل يملك الأب الذي فقد أبناءه أن يسامح نيابة عنهم؟
وهل يملك الناجي أن يمنح الغفران باسم الذين لم ينجوا؟
ربما يكون التسامح أعظم انتصار يستطيع الإنسان أن يحققه على ألمه، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن العدالة، ولا إلى واجب أخلاقي يُفرض على الضحايا.
أنا، شخصيًا، ومع تقديري الكامل لشجاعة كيم فوك الإنسانية، أرى أن تسامحها الشخصي حق لها وحدها، وأحترم قدرتها على تحويل جرحها إلى دعوة للسلام.
لكنني لا أستطيع أن أطلب من ضحية أخرى أن تسامح بالطريقة نفسها، ولا أن أضع الغفران فوق حقها في أن تتذكر، أو تغضب، أو تطالب بالعدالة.
فالتسامح قد يحرر الضحية من ماضيها، نعم.
لكن العدالة هي التي تمنع الماضي من أن يتحول إلى مستقبل.
ولهذا، فإن تحويل تسامح كيم فوك إلى نموذج معياري يُطلب من كل ضحايا الحروب أن يقتدوا به، هو في نظري هبة ممن لا يملك لمن لا يستحق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق