Translate

الجمعة، 21 أغسطس 2026

حين نصير قضاة الله على الأرض

 

حين نصير قضاة الله على الأرض



حين نصير قضاة الله على الأرض


ابتُلينا… فضقنا، وضاقت بنا الأرض.


خلقنا الله مختلفين، ولم يجعل اختلافنا خطأً ينبغي إصلاحه، بل جعله من طبيعة هذا الوجود. منحنا عقولًا متعددة، وقلوبًا متباينة، وترك لنا من الحرية ما يكفي لأن نختار، ومن الوقت ما يكفي لأن نراجع اختياراتنا.


ومنذ أن عرف الإنسان نفسه على هذه الأرض، تعددت الأديان والمعتقدات والأفكار. عاشت إلى جوار بعضها، وتصارعت أحيانًا، وتصالح بعضها أحيانًا أخرى، وظل الإنسان في النهاية إنسانًا.


ولم نسمع يومًا أن السماء انشقت، أو أن نارًا هبطت من الغيب على ملحد يحتسي قهوته لأنه اختار ألا يؤمن.


لكننا نحن لم نترك للسماء مهمتها.


نصبنا أنفسنا قضاة، ثم تحولنا إلى جلادين.


وأصبح الإنسان في عالمنا خصمًا وقاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه؛ يحاكم غيره على ما يعتقد، ثم يصدر الحكم، ثم يتولى تنفيذه بيديه، وكأنه يحمل تفويضًا إلهيًا لا يملكه أحد.


صار الاختلاف في بعض الأماكن جريمة تستحق الموت، وصار الانتماء المختلف سببًا للحرق والتهجير، وأصبح مجرد اختلاف الإنسان عن الجماعة التي يعيش بينها كافيًا لأن يفقد أمنه وبيته وحقه في الحياة.


والأشد قسوة أننا لم نعد نفعل ذلك رغم الدين، بل كثيرًا ما نفعله باسمه.


باسم الله تُهدم البيوت وتُسلب الممتلكات.

وباسم الدين يُقتل الأبرياء وتُنتهك الحرمات.

وباسم الشريعة يُسحق الضعفاء ويُيتم الأطفال.


ثم نقف أمام العالم بثقة غريبة، وكأننا لا نرى التناقض بين الكلمات التي ننطق بها والدماء التي على أيدينا.


من أين أتينا بكل هذه الجرأة؟


متى أصبح الإنسان واثقًا إلى هذا الحد من أنه يعرف إرادة الله؟


ومن أعطاه الحق في أن يتحدث باسم السماء، وأن يحول اجتهاده البشري إلى حكم إلهي، ثم يطالب الآخرين بالطاعة؟


المشكلة ليست في أن يؤمن الإنسان بما يشاء.


المشكلة تبدأ حين يعتقد أن إيمانه يمنحه سلطة على حياة الآخرين.


فالإيمان الذي يحتاج إلى بندقية كي يثبت نفسه، أو إلى سكين كي يدافع عن وجوده، أو إلى سجن كي يُسكت مخالفيه، لم يعد إيمانًا يضيء الطريق؛ لقد تحول إلى سلطة تخشى السؤال.


وما أقسى أن يتحول الدين من علاقة بين الإنسان وربه إلى رخصة يمنحها الإنسان لنفسه لمعاقبة إنسان آخر.


ذلك الذي يقتل المختلف لأنه مختلف، ويهجره لأنه لا يشبهه، ويحرق بيته لأنه لا يشاركه عقيدته، ماذا يظن أنه يفعل؟


هل يتخيل أنه ينظف الأرض من الخطأ؟


هل يعتقد أن الله يحتاج إلى يده كي ينتصر؟


أم أنه، في لحظة ما بعد أن يسيل الدم ويصمت المكان، يرفع عينيه إلى السماء منتظرًا تصفيقًا لا يأتي؟


ربما يقف أمام جريمته بكل عتو، ثم يسأل السماء، بكل بساطة:


«كده حلو… يا رب؟»


لكن السماء لا تجيب.


والصمت الذي يسمعه ليس موافقة.


ربما لأن السؤال من أساسه لم يكن ينبغي أن يُطرح.


فالله ـ أيًا كان تصورنا عنه ـ لم يحتج يومًا إلى جلادين كي يثبت وجوده، ولم يجعل الإنسان وصيًا على ضمائر الآخرين.


نحن الذين ضاقت بنا مساحة الاختلاف، فضاقت بنا الأرض.


نحن الذين لم نحتمل أن يكون للآخر وجهة نظر أخرى، أو صلاة أخرى، أو عقيدة أخرى، أو حتى ألا تكون له عقيدة على الإطلاق.


ثم حملنا خلافاتنا إلى الشوارع، وأشعلناها في البيوت، ودفناها في المقابر، وتركنا للأطفال أن يتعلموا من الدم ما عجزنا عن تعليمه لهم بالكلمات.


وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا، قبل أن نسأل الآخر عن دينه ومذهبه وعقيدته:


هل ما نفعله بالإنسان يليق بالإنسان؟


فإذا كانت الإجابة «لا»…


فلا تنقذ الجريمةَ كلُّ الكلمات المقدسة التي نضعها فوقها.

ولا يصبح قتل الإنسان حقًا لمجرد أننا ارتكبناه باسم الله.


فالدم حرام قبل أن ننطق باسم الله، وبعد أن ننطقه؛ ولا تتحول الجريمة إلى حق لمجرد أننا ألبسناها ثوب الدين


.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق