تنتشر قصة جميلة عن الصقر، تحكي أنه عندما يتقدم به العمر يواجه مرحلة شديدة القسوة؛ فتضعف مخالبه التي يعتمد عليها في الإمساك بفريسته، وينحني منقاره حتى يصبح الصيد أكثر صعوبة، ويثقل ريش جناحيه، فيصبح الطيران مرهقًا.
وتقول القصة إن الصقر، عندما يبلغ مرحلة معينة من عمره، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يستسلم للضعف، أو يخوض عملية مؤلمة من التغيير.
وبحسب الرواية المتداولة، يطير الصقر إلى قمة جبل، حيث يعزل نفسه في عشه، ثم يبدأ رحلة شاقة؛ فيضرب منقاره بالصخر حتى يسقط، وينتظر حتى ينمو منقار جديد، ثم يتخلص من مخالبه القديمة، وبعد أن تنمو من جديد ينتف ريشه، ليخرج بعد أشهر وقد استعاد قدرته على الطيران، ويبدأ مرحلة جديدة من حياته.
قصة مؤثرة، أليس كذلك؟
لكن هذه الحكاية، رغم انتشارها، ليست وصفًا علميًا لسلوك الصقور، وإنما هي قصة رمزية استُخدمت كثيرًا للتعبير عن فكرة إنسانية عميقة: أحيانًا لا نستطيع الاستمرار بالطريقة نفسها التي عشنا بها من قبل.
فالإنسان أيضًا قد يصل إلى مرحلة تصبح فيها بعض عاداته، وأفكاره، وعلاقاته، وحتى نظرته إلى نفسه، عبئًا عليه بدلًا من أن تكون عونًا له.
وقد يكون أصعب قرار هو أن يدرك الإنسان أن ما اعتاد عليه لم يعد مناسبًا له.
التغيير ليس دائمًا سهلًا.
وأحيانًا يكون مؤلمًا.
قد يعني أن تتخلى عن عادة رافقتك سنوات، أو تخرج من علاقة تستنزفك، أو تعيد النظر في فكرة كنت تظن أنها جزء ثابت من شخصيتك، أو تعترف بأن الطريق الذي بدأت فيه لم يعد هو الطريق الذي تريد إكمال حياتك فيه.
لكن الاستمرار لا يعني دائمًا أن نبقى كما نحن.
أحيانًا يكون الاستمرار الحقيقي هو أن نتغير.
وليس المطلوب أن نهدم حياتنا كلها ونبدأ من الصفر، بل أن نمتلك الشجاعة لننظر إلى أنفسنا بصدق، ونسأل:
ما الذي لم يعد يخدمني؟
ما الذي يجب أن أتخلى عنه؟
وما الذي ينبغي أن أتعلمه من جديد؟
تلك هي الحكمة التي يمكن أن نأخذها من قصة الصقر، حتى وإن كانت القصة نفسها مجرد حكاية رمزية وليست حقيقة علمية.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة للبدء من جديد، لكنها تمنحنا في كثير من الأحيان فرصة لأن نعيد تشكيل أنفسنا من جديد.
وقد يكون التغيير مؤلمًا في بدايته، لكنه أحيانًا يكون الثمن الذي ندفعه كي لا نبقى أسرى لنسخة قديمة من أنفسنا.
ماهر الكرارسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق