خمسة عشر عاماً لماهر الكرارسي.. حين تلتهم فواتير الحياة أحلام الميادين
هل يمكن لصورة واحدة قديمة أن تُثبت لك أنك لم تعد الشخص نفسه؟ هل يمكن لعشر دقائق من الفضول في وسط الزحام أن تقسم عمرك إلى نصفين؟
الرواية لا تقدم توثيقاً تاريخياً أو سياسياً لثورة يناير 2011، بل رصد بعين سينمائية وروح إنسانية أثرها النفسي والاجتماعي على مدار عقد ونصف من عمر الإنسان المصري.
الحكاية تبدأ بسؤال.. وصورة منسيةتبدأ الرواية بذكاء شديد عبر فلاش باك يفرضه الحاضر؛ سؤال عفوي يطرحه الابن المراهق "آدم" (15 عاماً) على أبيه الأربعيني "مختار"
«بابا... إنت كنت في ميدان التحرير وقت الثورة؟»
يقابل مختار السؤال بالإنكار، لكن الابن يواجهه بصورة قديمة عثر عليها في حاسوب عتيق. سماء شتوية، لافتات مرفوعة، وفي وسط الزحام يقف مختار أصغر بخمسة عشر عاماً، بوجه أكثر نحافة وعينين يملؤهما اليقين. هنا، يضطر الأب أن يفتح الباب الذي ظل مغلقاً لسنوات، ليروي لابنه الحكاية من أولها؛ ليس من أول الثورة، بل من اليوم الذي خرج فيه من بيته وهو يظن أنه عائد بعد ساعات قليلة.. وما رجع نفس الشخص.أربعة أصدقاء ومصائر تفرقت بها السبل
مصائر أربعة أصدقاء بدأوا الرحلة من الناصية نفسها في ذلك الصباح الشتوي
من صخب الميادين إلى صمت البيوت
تنتقل الرواية بسلاسة مدهشة بين الأعوام (2011، 2014، 2017، وصولاً إلى 2026). ومع تقدم الفصول،
يخفت صوت الهتافات تدريجياً ليترك المساحة لصوت الواقع؛ تصبح الحسابات الشهرية، والرواتب التي تنتهي قبل نهاية الشهر، وأقساط المدارس، وعلب دواء الأم، والشعر الأبيض الذي يغزو الصداغين، هي الأبطال الحقيقيين للمشهد.
رصد "ثقل النجاة"، حيث يتحول همّ البطل من رغبة عارمة في تغيير العالم، إلى أمنيات بسيطة ومثيرة للتعاطف: أن يمر الشهر دون أزمة، أن يجد الدواء، وأن يحمي أسرته الصغيرة. الكلمات نفسها أصبحت مكلفة، وحين يتعلم الإنسان كيف ينجو، قد ينسى أحياناً لماذا كان يريد أن يعيش أصلاً
الوراثة النفسية وثنائية الخوف والصمت
أجمل اللمسات النفسية في الرواية هي الروابط الجيلية؛ مختار الذي ورث الصمت والخوف من أبيه (الذي كسرته تجربة قديمة مع السلطة)،
يجد نفسه اليوم يورث هذا الصمت لابنه آدم. الرواية تناقش بمرارة كيف أن الأبناء لا يرثون الماضي كما حدث، بل يرثون صوره، ثم يبدأون في طرح الأسئلة المعلقة في ذاكرة آبائهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق