ماذا يقول الطبري عن موقف أهل مصر من دخول عمرو بن العاص؟
هذه صفحات من كتاب «تاريخ الرسل والملوك» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تتناول غزو عمرو بن العاص لمصر.
كثيرًا ما تتردد عبارة أن «الأقباط رحبوا بالغزو العربي لأنهم كانوا يكرهون الحكم البيزنطي»، وكأن المصريين جميعًا كانوا ينتظرون وصول العرب ويستقبلونهم بالترحاب.
لكن قراءة رواية الطبري نفسها تكشف صورة أكثر تعقيدًا.
فالطبري يذكر القتال بين قوات عمرو وأهل مصر، وأسر عدد من السكان ووقوع السبايا، ثم مفاوضات حول إعادتهم. ويذكر أيضًا مواجهة عمرو مع قيادات دينية قبطية، ومحاولة هؤلاء الدفاع عن البلاد.
وفي المقابل، تورد إحدى الروايات أن بعض أهل مصر نصحوا حاكمهم بمصالحة العرب، بعدما رأوا ما حققوه من انتصارات على الفرس والروم، ثم انتهت الأحداث إلى الصلح.
وبعد ذلك يذكر الطبري:
«فدخل في ذلك أهل مصر كلهم، وقبلوا الصلح»
وهنا يجب الانتباه إلى الفرق بين
قبول الصلح بعد الهزيمة والتفاوض وبين الترحيب بالغزو منذ بدايته.
فالصفحات نفسها التي تتحدث عن قبول الصلح، تتحدث أيضًا عن القتال والأسر والسبايا والجزية والمفاوضات.
لذلك فإن القراءة الدقيقة لرواية الطبري لا تسمح لنا بالقول إن «الأقباط رحبوا بالغزو العربي»
دخول العرب إلى مصر كما يرويه الطبري
بعد اشتداد القتال بين جيش عمرو بن العاص والقوات البيزنطية، اتجه عمرو إلى تثبيت وضع المسلمين في مصر، ولم يكن اهتمامه منصبًّا على القتال وحده، بل على إدارة البلاد وسكانها أيضًا.
وقد وضع عمرو قاعدة واضحة في التعامل مع أهل القرى؛ فمن قاتل المسلمين لم يكن له أمان، أما من لم يقاتل، ثم أصابه شيء من أهل القرى أو وقع عليه ظلم، فقد جعل له الأمان خلال خمسة أيام، وأرسل إلى الآفاق من يردّ ما أُخذ من السبي ممن لم يشارك في القتال.
وفي هذه الأثناء، حضر جماعة من القبط وأهل مصر إلى باب عمرو، وكانوا يتحدثون فيما بينهم عن العرب، وعن بساطة عيشهم وقلة مظاهر القوة والترف لديهم. وينقل الطبري عنهم قولًا لافتًا:
«ما رأينا مثلنا دان لهم!»
فخشي عمرو أن تؤدي ملاحظتهم لبساطة حياة العرب إلى الاستهانة بهم أو الاعتقاد بأنهم أضعف من أن يواجهوا المصريين والبيزنطيين.
فأراد أن يريهم جانبًا آخر من حياة جنوده. أمر بذبح الجزر، أي الإبل، وطهي لحومها بالماء والملح، ثم دعا أمراء الأجناد وأصحابهم، وأذن لأهل مصر بالدخول. وجيء بالطعام، فأكل المسلمون أمامهم أكلًا عربيًا بسيطًا، «انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح».
خرج أهل مصر من ذلك المجلس وقد ازدادوا جرأة، إذ رأوا العرب يأكلون في بساطة، بلا سلاح ولا مظاهر عسكرية.
لكن عمرو كان قد أعد لهم مفاجأة في اليوم التالي.
فأمر أمراء الجند أن يحضروا بأصحابهم، وأن يلبسوا ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأن يظهروا أمام الزائرين في هيئة تشبه هيئة المصريين. فلما أذن لأهل مصر بالدخول، وجدوا أمامهم مشهدًا مختلفًا؛ فقد رأوا الجنود يأكلون مثل أهل مصر ويتصرفون بطريقتهم.
هذه المرة خرج المصريون وهم في حالة من الريبة، وقالوا:
«كدنا»
ثم أمر عمرو جنوده في اليوم الثالث أن يظهروا بكامل سلاحهم، وأن يستعدوا للعرض العسكري.
عندما اجتمع أهل مصر، خرج عليهم الجيش في هيئته العسكرية، فعرض عمرو أمامهم قوته، ثم شرح لهم سبب ما فعله في اليومين السابقين. وقال لهم، بمعنى رواية الطبري، إنه علم أنهم حين رأوا بساطة العرب في معيشتهم ظنوا أنهم قوم ضعفاء، ولذلك أراد أن يريهم أحوالهم في بلادهم، ثم حالهم في أرض مصر، ثم حالهم في الحرب.
وبعد أن رأوا القوة العسكرية الحقيقية للمسلمين، قال لهم عمرو إن هؤلاء الذين رأوهم في اليوم الثالث لن يعودوا إلى عيش اليوم الثاني، وإن ما شاهدوه في اليوم الأول لا يعني ضعفهم.
وتفرق أهل مصر وهم يقولون:
«لقد رمتكم العرب برجلهم.»
أي إن العرب قد أرسلوا إليهم رجلًا شديد الدهاء والقدرة على إدارة الحرب وإظهار القوة في الوقت المناسب.
وتصل رواية الطبري بعد ذلك إلى مواجهة مباشرة بين عمرو والمقوقس في عين شمس. يقول إن الجيشين التقيا واقتتل فرسانهما، وفي أثناء المعركة كان بعض المسلمين يتراجعون أو يناورون على مسافة من العدو، فوبخهم عمرو.
ويورد الطبري حوارًا طريفًا بين عمرو ورجل من أهل اليمن قال:
> «إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد!»
فأجابه عمرو:
«اسكت، فإنما أنت كلب.»
فرد الرجل:
«فأنت أمير الكلاب.»
ولما احتدم الموقف، نادى عمرو:
«أين أصحاب رسول الله؟»
فحضر من شهد المعركة من الصحابة، وكان بينهم أبو بردة وأبو برزة، فقال لهم عمرو:
«تقدموا، فبكم ينصر الله المسلمين.»
فتقدم الصحابة، وتبعهم بقية الجيش، حتى يقول الطبري إن الله فتح للمسلمين وظفروا «أحسن الظفر».
رواية الطبري
وبحسب الرواية التي ينقلها الطبري، تم افتتاح مصر في ربيع الأول سنة 16هـ، ثم اتسعت حركة الفتوحات الإسلامية بعد ذلك إلى مناطق وأمم أخرى، ويذكر الطبري أن عمر بن الخطاب عمل على الحد من اندفاع الجيوش وإيقاف توسعها، حرصًا على عدم استنزاف المسلمين، إذ رأى أن استمرار حركة الفتوحات بلا توقف كان يمكن أن يقود الجيوش إلى مسافات بعيدة جدًا.
ثم ينتقل الطبري إلى رواية أخرى تتعلق بالحرب في النوبة. فبعد فتح مصر، غزا المسلمون النوبة، فعادوا وهم يعانون من كثرة الجراح وإصابات العيون، بسبب مهارة النوبيين في الرمي. ولهذا، بحسب الرواية، أطلق المسلمون عليهم اسم:
«رماة الحدق»
ثم يذكر الطبري أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حين تولى مصر في عهد عثمان بن عفان، صالح النوبيين على هدية سنوية من الرقيق، مقابل أن يقدم المسلمون لهم طعامًا وكسوة محددين كل عام.
وأخيرًا يورد الطبري أن عمر بن الخطاب، في ذي القعدة سنة 16هـ، أقام الحاميات والتحصينات على سواحل مصر، وكان من أسباب ذلك تحسبه لتحركات البيزنطيين، إذ يذكر أن هرقل أرسل جيشًا باتجاه مصر.
المصدر:
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، أخبار فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب.








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق