الهوية المصرية
إننا لشعب عجيب حقًّا!
حين نسمّي شارعًا باسم «سليم الأول»، وشارعًا آخر باسم «طومان باي»، ولا نعرف علاقة الاثنين ببعضهما، ولا ندرك موقف كلٍّ منهما من مصر، فتلك مشكلة أكبر بكثير من مجرد جهل بحادثة تاريخية.
تلك علامة على أننا أمة فقدت جزءًا أساسيًّا من ذاكرتها.
ويعزّ عليّ، ويحزّ في نفسي، أن أقول إن مصر، عبر تاريخها الطويل، تعرّضت لموجات متتالية من الغزو وتبدّل السلطة والحكم الأجنبي؛ من الرومان والبيزنطيين، إلى الفتح العربي وما تبعه من صراعات وتبدّل للخلفاء والحكام، ثم الفاطميين والمماليك والعثمانيين، ثم الفرنسيين والبريطانيين، حتى صار تاريخنا طبقات فوق طبقات.
ولم تكن تلك الموجات مجرد تغيير في عروش الحكام، بل كانت أحيانًا تحولات عميقة مست بنية المجتمع وهويته؛ حين فُرضت الجزية على غير المسلمين، وأصبحت التحولات الدينية والضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية جزءًا من مسار طويل غيّر التركيبة الدينية لمصر.
وفي عهود معينة، فُرض على المسيحيين تمييز في الملبس والعلامات، وفرضت قيود اجتماعية ودينية عليهم. ومع تعريب الإدارة والدواوين، أصبحت العربية لغة السلطة والترقي الإداري، فتراجعت القبطية تدريجيًّا عن وظائفها العامة.
بل وتروي بعض المصادر القبطية عن عهود بلغ فيها التضييق على اللغة القبطية حدًّا بالغ القسوة، فتذكر روايات عن أوامر بمعاقبة من يتحدث بها، حتى بلغ الأمر، في بعض الروايات، قطع لسان من يُضبط متحدثًا بالقبطية.
وسواء أخذنا هذه الروايات الأخيرة بحرفيتها أو تعاملنا معها باعتبارها جزءًا من الذاكرة التاريخية التي حفظت شدة تلك السياسات، فإن المؤكد أن تراجع القبطية لم يكن حادثة واحدة، وإنما كان مسارًا طويلًا من التحول اللغوي والثقافي والديني.
ومن زاوية صراع اللغة والهوية، كانت تلك واحدة من أعمق التحولات التي أصابت الذاكرة واللسان والخصوصية المصرية.
وليس هذا عيبًا في حد ذاته؛ فمعظم شعوب العالم تحمل فوق أكتافها تاريخًا من الهجرات والغزوات والصراعات والتداخل الحضاري.
العيب ليس في أن تاريخنا متداخل؛ العيب هو أننا لم نعد نحسن فهمه.
لقد أصبحنا أشبه بقميص مرقّع؛ كل قطعة فيه من زمن، لكننا أحيانًا لا نعرف كيف اجتمعت هذه القطع، ولا أيّها تاريخ، وأيّها أسطورة، وأيّها عادة، وأيّها فكر تجاوزناه، وأيّها ما زلنا أسرى له.
وفي الوقت الذي ينهض فيه العالم من حولنا، ويطوّر علومه، ويستثمر في المعرفة والتكنولوجيا وقدرات الإنسان، ما زلنا نرى إعلانات تدّعي فكّ المربوط، وردّ المطلقة، وجلب الحبيب!
وما زال هناك من يتعامل مع الخرافة باعتبارها علاجًا، ويبحث عن حلول لمشكلات الحياة في الوهم لا في العلم.
وما زلنا أحيانًا ننتظر أن تغيّر الأدعية واقعًا لا نغيّره نحن بأيدينا، بينما العالم من حولنا يبني الجامعات والمختبرات والمصانع، ويطوّر أدواته ومعارفه.
والحقيقة المرة هي أن الدعاء وحده لا يصنع الحضارة:
- لا يبني مصنعًا بدل المهندس.
- ولا يكتشف دواءً بدل العالم.
- ولا يصنع تكنولوجيا بدل الباحث.
- ولا يعيد أمة إلى مكانتها بدل الإنسان الذي يعمل ويتعلم ويبدع.
عقولنا، من كثرة ما عُطّلت، أصبحت أحيانًا كالخرابة الخالية؛ أي عابر سبيل يستطيع أن يلقي فيها ما يشاء.
والعالم يمضي في سباق مستمر، وفي صراع لا يرحم من لا يملك المعرفة والقدرة على حماية مصالحه.
ونحن لا نزال نزحف...
ويا ليتنا نزحف إلى الأمام!
بل إننا أحيانًا نزحف إلى الوراء.
في عالم لا ينتظر من يتأخر، ولا يرحم المجتمع الذي يعجز عن تطوير أدواته ومعارفه، لا يكفي أبدًا أن نفتخر بأن أجدادنا بنوا حضارة عظيمة
السؤال الحقيقي، والمؤلم، هو
ماذا نبني نحن؟
والحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن عدونا الحقيقي ليس جارنا، ولا دولة بعيدة تتحكم في جزء من قرارنا.
عدونا الحقيقي يسكن في المكان الأصعب:
داخل عقولنا
والميزة الوحيدة في هذا العدو أننا وحدنا نستطيع هزيمته
فإن تحرير الأرض قد يحتاج إلى جيش...
أما تحرير العقل، فيحتاج إلى إنسان قرر أن يفكر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق