الخميس، 24 سبتمبر 2026

حين يصبح المقهور حارسًا للسجن

 حين يصبح المقهور حارسًا للسجن | قراءة في أزمة الوعي وتوجيه الغضب

قراء في أزمة الوعي وتوجية الغضب



هناك لحظة ما في حياة المجتمعات لا يعود فيها السؤال:
 لماذا يعاني الناس؟

بل يصبح السؤال الأكثر قسوة

كيف تعلّم الناس أن يتعايشوا مع معاناتهم، ثم يغضبوا ممن يذكّرهم بها؟

كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يتقبل فيها الفقر، والزحام، والمرض، وسوء التعليم، وانهيار الخدمات، وانسداد الأفق، والإهانة اليومية، بل ويتعامل مع كل ذلك باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة، ثم تنفجر داخله كل طاقته الغاضبة عندما يرى إنسانًا مختلفًا في دينه أو فكره أو طريقته في الحياة؟

كيف يصبح غياب العدالة أمرًا يمكن احتماله، بينما يصبح اختلاف الرأي جريمة تستحق الغضب؟

كيف يمكن لإنسان أن يقف طويلًا أمام باب مستشفى لا يجد فيه علاجًا، ثم يعود إلى بيته ليشعر أن أخطر ما يهدد المجتمع هو شخص كتب فكرة لا تعجبه؟

هنا نحن لا نتحدث عن التعصب وحده

نحن نتحدث عن شيء أعمق

عن إعادة توجيه الغضب

فالإنسان المقهور ليس إنسانًا بلا غضب

على العكس

القهر ينتج كميات هائلة من الغضب


لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح مصدر الغضب الحقيقي أكبر من قدرة الإنسان على مواجهته

هناك سلطة لا يستطيع مواجهتها، ومؤسسة لا يستطيع محاسبتها، ونظام اجتماعي نشأ داخله، واقتصاد يضغط على حياته، وواقع ورثه ولم يختره

كل هذه الأشياء تبدو ضخمة، معقدة، بعيدة، ومخيفة

أما المختلف القريب منه فهو واضح.

يمكن رؤيته

يمكن مهاجمته

يمكن اتهامه

يمكن إسكاته

وهكذا يجد الغضب طريقًا أسهل.

بدل أن يصعد إلى الأعلى، ينزل إلى الأسفل

وبدل أن يبحث الإنسان عن مصدر القهر، يبحث عن شخص يستطيع أن يقهره.

وهذه ربما واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة

أن يتحول المقهور إلى قاهر لمن هو أضعف منه.

ليس لأنه تحرر من القهر، بل لأنه وجد شخصًا يستطيع أن يمارس عليه بعضًا من القوة التي حُرم منها
الأمر أكثر تعقيدًا عندما تدخل الهوية

فالإنسان الذي حُرم في حياته الواقعية من كثير من مصادر الشعور بالقيمة، قد يجد في هويته آخر حصن يستطيع الاحتماء به

لا يملك الكثير من المال، لكنه يملك انتماءً

لا يملك نفوذًا، لكنه يملك اعتقادًا بأنه ينتمي إلى الحقيقة.

لا يستطيع تغيير واقعه، لكنه يستطيع أن يحاكم شخصًا آخر

وهكذا تتحول الهوية من سؤال من أنا؟

إلى سؤال أخطر

لماذا أنا أفضل منك؟

وهنا يبدأ الانحراف

فالإيمان الذي كان يفترض أن يمنح الإنسان معنى، يتحول إلى وسيلة لمنح صاحبه سلطة على الآخرين

والانتماء الذي كان يفترض أن يمنحه الأمان، يتحول إلى جدار يفصل الإنسان عن المختلف.

والعقيدة التي يفترض أن تهذب الإنسان، تتحول عند بعض الناس إلى تصريح أخلاقي بإهانة غيره

ولا تكمن المشكلة في وجود الاختلاف

الاختلاف جزء أصيل من طبيعة البشر

المشكلة في أن يصبح وجود الآخر المختلف تهديدًا للذات.

كأنني لا أستطيع أن أكون مؤمنًا إلا إذا كان غيري مخطئًا

ولا أستطيع أن أكون وطنيًا إلا إذا كان غيري خائنًا.

ولا أستطيع أن أكون صاحب فضيلة إلا إذا وجدت شخصًا أضعه في خانة الرذيلة

وهنا تتحول الأخلاق من ممارسة إلى مقارنة

لا أسأل:

هل أنا إنسان عادل؟

بل أسأل:

هل أنا أفضل من هذا الشخص؟

وهذا فرق هائل
لكن هناك سؤالًا أكثر إزعاجًا:

من الذي علّمنا أن نغضب من بعضنا بهذه السرعة؟

المجتمعات لا تولد وهي تكره المختلف

الكراهية تحتاج إلى لغة

وتحتاج إلى تكرار

وتحتاج إلى قصص تشرح للإنسان من هو عدوه

وحين تتراجع الأسئلة المتعلقة بالحقوق والعدالة والاقتصاد والتعليم والصحة والكرامة، وتحتل مكانها معارك الهوية والفضيلة، فإن وعي الإنسان يبدأ في إعادة ترتيب أولوياته.

يصبح المهم أن نعرف ماذا قال الآخر، وماذا يعتقد، وكيف يعيش، وماذا يقرأ، وماذا يرتدي.

أما السؤال عن سبب بؤس الحياة نفسها فيصبح مؤجلًا

وهكذا يمكن أن يعيش الإنسان في شارع متهالك، ويغضب من كتاب

ويعاني من الفقر، ويغضب من فكرة

ويبحث عن دواء، ولا يجده، ثم يشعر أن مشكلته الكبرى هي شخص يختلف معه في العقيدة.

يُهان في طابور، ثم يعود إلى منزله ليهين شخصًا آخر بسبب اختلافه

وهنا لا يعود القهر مجرد نتيجة

بل يصبح القهر نفسه طريقة لإعادة إنتاج القهر
هذه هي اللحظة التي يصبح فيها المقهور حارسًا للسجن

يدافع عن السجن الذي يخنقه

ويحرس القواعد التي أضعفته

ويهاجم من يحاول فتح نافذة

وقد يصل به الأمر إلى أن يرى في الحرية نفسها خطرًا

لأن الحرية تعني بالنسبة إليه احتمال فقدان العالم الذي اعتاد عليه، حتى لو كان ذلك العالم مؤلمًا

ولهذا فإن تغيير الوعي أصعب من تغيير القوانين

يمكن أن تغير قانونًا في ليلة

لكن كيف تغير إنسانًا تعلّم طوال حياته أن يرى الظلم طبيعيًا؟

كيف تقنع شخصًا بأن كرامته ليست منحة؟

وأن حقه في الحياة الكريمة لا يتوقف على كونه متشابهًا مع الآخرين؟

وأن المختلف عنه ليس بالضرورة عدوًا له؟

وأن الدفاع عن كرامته لا يحتاج إلى البحث عن شخص آخر يسلبه كرامته؟

ربما لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يموت غضبه.

بل أن يُسرق منه اتجاه الغضب.

أن يشعر الإنسان بكل هذا الألم، ثم يُقنع بأن مصدر الألم هو جاره المختلف.

أن يعيش بلا عدالة، ثم يتحول إلى شرطي على أفكار الآخرين.

أن يحرم من الحرية، ثم يطالب بحرمان غيره منها.

أن تُنتزع منه كرامته، ثم يبحث عن شخص ينتزع كرامته هو.

عندها لا يعود القهر بحاجة إلى قوة هائلة كي يستمر.

يكفي أن يجعل ضحاياه يحرس بعضهم بعضًا.

يكفي أن يجعل المقهور مشغولًا بالمقهور الذي بجواره.

يكفي أن يقنع كل إنسان بأن مشكلته ليست في القيد الذي يحيط به، وإنما في الشخص الذي يقف إلى جواره.

وهنا يصبح المجتمع أشبه بسجن كبير، لكن المفارقة أن السجناء أنفسهم يتولون حراسة الأبواب.

لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس لماذا يكره الإنسان المختلف؟

بل ماذا حدث لوعيه حتى أصبح اختلاف الآخر أكثر إزعاجًا له من بؤسه هو؟

لماذا يستطيع أن ينام فوق كل هذه الأسئلة، ثم يستيقظ غاضبًا من شخص قال رأيًا؟

لماذا يستطيع أن يتعايش مع الإهانة، لكنه لا يستطيع أن يتعايش مع الاختلاف؟

ولماذا أصبح الدفاع عن الآخرين تهمة، بينما أصبح الدفاع عن حق الإنسان في سحق غيره بطولة؟

ربما لأننا لم نتعلم بعد أن الحرية ليست أن أمتلك الحق في فرض حياتي على الآخرين.

وأن الكرامة ليست أن أكون أفضل من غيري

وأن العدالة لا تبدأ عندما أحصل على حقي وحدي، بل عندما أؤمن أن الحق الذي أطالب به لنفسي يجب ألا أحرم منه إنسانًا آخر.

فالمجتمع الذي يفقد القدرة على رؤية جذور قهره، سيظل يبحث عن أعداء في المكان الخطأ.

وسيظل الغاضب يضرب الغاضب

والضعيف يفتش عن أضعف منه

والمقهور يمارس القهر على من يستطيع

حتى يأتي يوم يصبح فيه السؤال الأكثر مرارة

هل كنا عاجزين عن تغيير السجن، أم أننا كنا مشغولين إلى درجة أننا لم نلاحظ أننا أصبحنا حراسه؟

ماهر الكرارسي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق